Visit ArabTopics.com

من التاريخ السوري القريب

 إن الأمم المتقدمة تكرّم قادتها الراحلين بتأمين حضور دائم لهم ، مهما طالت مدة غيابهم ، وذلك عبر الإستفادة من آرائهم المبدعة وسيرتهم القدوة ، فضلاً عن إقامة التماثيل لهم في الساحات العامة ، وعقد الدراسات والندوات حولهم .

ولكن أمتنا المتخلّفة ، لا تكتفي بأن تلقي ظلالاً كثيفة على قادتنا بعد موتهم أو أستشهادهم .. بل هي تصرّ على تشويه سيرتهم وتقزيم بطولاتهم وإلصاق تهمة الخيانة بهم ، خلال حياتهم وفي ذروة تضحياتهم وإنجازاتهم الفكرية والعملية .

وليس من المبالغة القول بأن تشويه سمعة قادتنا في البداية ، ثم إلقاء ظلال التعتيم عليهم بعد ذلك . . قد ساهما بصورة رئيسية في تقهقرنا ، وأخّرا من ولوجنا عالم الرقي والحضارة ، في الوقت الذي قطعت أمم عديدة أشواطاً بعيدة في مضمار العلم والرقي المجتمعي ، رغم أنها لا تتمتع بالمقدار نفسه من المؤهّلات والمواهب التي تزخر بها أمتنا .

من هؤلاء القادة الذين شوّهت سمعتهم وادخلوا عالم النسيان ، غسان جديد . لعل افجع ما تنطوي عليه مأساة هذا القائد الراحل ، أنه خاض حرب فلسطين عام 1948 وسجّل بطولات وإنتصارات كبيرة وعديدة . . ليغتاله شاب فلسطيني ، بعد أقل من عشر سنوات ، بحجة أنه " عميل اسرائيلي " !

كانت فلسـطين محوراً رئيسـياً لجهاد غسّـان جديد العسـكري والدبلوماسـي ، فضلاً عن نتاجه الفكري .

في مطلع العام 1948 ، ترك غسـان مهمة التدريب في الكلية العسـكرية السـورية ، ليلتحق في جيـش الانقاذ الذي كان يرأسه فوزي القاوقجي . لم ينصهر المتطوعون المدنيّون والعسـكريّون في بوتقة جبش الانقاذ ، كما تقتضي القوانين والأصول العسكرية ، بل ظل كل فريق مستقل في قيادته ومحافظاً على هويته التي ترتبط بالمنطقة التي ينتمي أعضاؤه اليها . ولعل ذلك ساهم في خسارة الحرب ، إلى جانب عوامل أخرى لا مجال لذكرها .

كان غسّان قائداً " للفوج العلوي " في جيش الانقاذ . ولكنه كضابط في الجيش السـوري ، قاد فوجه ضمن إطار جيش الانقاذ ، وبالتنسيق الكامل مع القائد الأعلى فوزي القاوقجي . .

ثمة مصادر عديدة تثبت بلاء غسّان في حرب فلسطين عام 1948 . لعل أهمها واكثرها دقة ما دوّنه فوزي القاوقجي نفسه في مذكراته وما نشره من برقيات تحمل توقيع " غسّان " .

يقول القاوقجي : " في صباح 07/09/1948 قام اليهود بهجوم شديد على جبهة الفوج العلوي في منطقة صفد . وتلقيت من آمر الفوج الرئيس غسان جديد البرقية التالية : " 07/09/1948 رقم 25 من غسان الى فوزي : المعركة تدور في مرتفعات العموقة . حاول اليهود الوصول الى جبل نطاح فرددناهم . لا تزال المعركة دائرة . الامضاء – غسان " .

ولكن أين تقع عموقة ؟ ولماذا تدور المعارك على مرتفعاتها ؟ يجيب القاوقجي : " تقع عموقة هذه ، على مسافة كيلو متر إلى الشمال الشرقي من صفد ، وتشرف مرتفعاتها على سهل الحولة ، وعلى الطريق الممتدة من طبريا إلى صفد إلى المنارة في الشمال . وكان الغرض من هذا الهجوم زحزحة جنودنا عن هذه المرتفعات ، ليؤمن لليهود تنقلاتهم على هذه الطريق من جهة ، ولستر حركات الوحدات اليهودية داخل هذه المنطقة من جهة أخرى " .

ويضيف القاوقجي مستدركاً : " بعد ساعة تقريباً من تسلمي برقية الرئيس غسان ، تلقيت برقية أخرى هذا نصها : 07/09/1948 رقم 26 من غسان إلى فوزي . . اشتبكنا بمعركة في منطقة ماروس ربما تتسع . الامضاء – غسان ".

وعن ماروس يورد القاوقجي الايضاح الجغرافي الستراتيجي التالي : " ماروس هذه ، تقع على مسافة كيلومتر إلى شمالي العموقة ، ومدى الرؤية منها واسع جداً ، وهي تقابل خطوط الجيش السوري في منطقة مشمار هايردن ، ولا يفصلها عن هذه الخطوط سوى اربع كيلومترات تقريباً ، فإذا ما تيسر لنا القيام بحركة مشتركة مع الجيش السوري من هذه المنطقة ، نفصل منطقة الحولة بكاملها عن منطقة طبريا ".

وفي 09/09/1948 تلقى القاوقجي من المقدم شوكت شقير البرقية التالية : " 09/09/1948 رقم 416 من شقير الى فوزي المعلومات عن العدو تدعو للقلق . تحشدات امام ترشيحا من مصفحات ودبابات ومدفعية . يخشى ايضاً مهاجمة تربيخا . اشتبكت هذا الصباح قوات من فوج غسان مع اليهود في الوادي قرب عين التينة . الامضاء شقير ".

ازاء خطورة وأهمية معركة ماروس ، اتصل القاوقجي بقائد الجيش الشامي حسني الزعيم ودعاه الى زيارة الجبهة من اجل اقناعه ، ميدانياً ، بمساعدة فوج غسان جديد وجيش الانقاذ بالذخيرة حتى يكون النصر كاملاً ودائماً . ثم عاد القاوقجي مع حسني الزعيم الى دمشق حيث " اجتمعا بفخامة الرئيس بالقصر، وكان ذلك في 13 ايلول 1948 ، وحضر هذا الاجتماع السيد جميل مردم والزعيم حسني الزعيم ورئيس الحكومة اللبنانية السيد رياض الصلح ، فشرحت للمجتمعين الموقف شرحاً وافياً ، وبينت لهم أهمية ماروس مستشهداً بقائد الجيش السوري الزعيم حسني الزعيم ، ان يسلموني قنابل هاون . ولعب الطمع برأسي فطلبت مدافع هاون ايضاً . فالتفت الي جميل مردم مبتسماً وقال ، ولكن بشيء من السخرية : مدافع هاون ؟ هذا للجيش السوري فقط . . قلت لا بأس أكتفي بالقنابل . . فرفضوا . فاكتفيت بعشرين قنبلة فقط ، فاعتذروا . ثم التفت الي الرئيس – شكري القوتلي – وخاطبني بحدة : " يا أخي ليش تتحرش باليهود ، مانّك شايفهم ماسكينا بخوانيقنا روح انسحب من ماروس " . . وكان صدمة عنيفة جداً ، لم ألق مثلها في حياتي ولم أكن اتوقعها ابداً ، ليس من ناحية العتاد – لكن من ناحية العقلية . . هذه العقلية الغريبة العجيبة برؤوس " الرؤوس ". وقلت لفخامة الرئيس بهدوء : إن معركة ماروس يا فخامة الرئيس ، لم نتقبل أن نخوضها ، إلا على أساس مصلحة الجيش السوري كما بيّن لكم الزعيم حسني الزعيم قائد الجيش . فإذا كنتم ترون لا فائدة من ذلك ولا أهمية له ، فأنا أنسحب من ماروس . وإني في حاجة الى كل نقطة دم ، وكل طلقة نبذلها في ماروس ".

بعد عودة القاوقجي إلى ساح المعركة تلقى من الرئيس غسان البرقية التالية : " 18/09/1948 تمكن اليهود الساعة السادسة من احتلال جبل المخبي وماروس والمرتفعات . قمنا بهجوم معاكس فاسترجعنا التلال المجاورة وماروس . وانحصر اليهود في جبل المخبي . ثم هاجمناهم في الجبل ثلاث مرات ولم نتمكن من استرجاعه . هل ترسلون سرية لدعم حامية ماروس لنسحب الاحتياطي الى ميرون وصفصاف . فالتحشدات في صفد قائمة ، العتاد الألماني أوشك ينفذ . الامضاء غسان ".

ولكن شيئاً مما طلبه غسان لم ينفذ . ولعل قراءة برقية القاوقجي الى رئيس الحكومة الشامية وزير الدفاع جميل مردم تعطي الجواب الشافي . وهذا نص البرقية : " 19/09/1948 رقم 418 من فوزي الى وزير الدفاع السوري . وجودنا في منطقة ماروس لمجرد فكرة معاونة الجيش السوري وللقيام بعمليات مشتركة اذا استؤنف القتال . ليس لهذه المنطقة أية فائدة بالنسبة لوضعنا . سيطرتنا على طريق الحولة الرئيسي مؤمنة في كل وقت اردنا . لا يمكن استرداد جبل المخبي الا اذا اشتركت القيادة السورية معنا ورأت في استرداده فائدة لها . الامضاء فوزي ".

ماذا كان جواب رئيس الوزراء ؟ يقول القاوقجي : " ولكن كان من الطبيعي أن لا أتلقى أي جواب . ورحنا نتخذ ترتيبات دفاعية صارفين النظر عن الهجوم . على كل حال فقد قررت تأكيد استقالتي " .

ويروي كراس " البطل غسـان جديد " الذي اعدّته منفذية الطلبة في الحزب السـوري القـومي الاجتماعي في ذكرى استشـهاده ، تفاصيل مجموعة من المعارك والأعمال العسكرية التي قادها غسان وكان قدوة خلال تنفيذها ، نقرأ منها الواقعة التالية : " قبل أن تدخل جيوش الوطن والجيوش العربية الى فلسطين ، انتدب غسان جديد للقيام بعمل عسكري بطولي سماه بعض الذين عرفوا بخطته انه عمل جنوني . كانت الخطة – والبريطانيون ما زالوا في فلسطين – أن تغزو قوة من المجاهدين أحد المعسكرات البريطانية في حيفا عن طريق يافا . واستأذن غسان جديد قائده فوزي القاوقجي ، فاذن له . تنكّر غسّان مع مئة وعشرين مجاهداً منهم زياد الاتاسي ، وابراهيم فرهود وعلي مجاهد ، بألبسة الجنود الأردنيين ، واخترقوا الطريق من جنين الى حيفا ، والمعسكرات البريطانية واليهودية على جانبي الطريق . وساروا في قلب حيفا واجتازوها الى ما تحت قرية ( الطيرة ) وقاموا بالمهمة العسكرية . وسقط المعسكر المليء بالذخائر في أيدي القوة التي لم تزد كثيراً على المئة فدائي بقيادة غسان جديد ".

* * *

انتهت معارك 1948 بانتصار العصابات اليهودية وهزيمة جيش الانقاذ وسائر جيوش العالم العربي . ولكن الهزيمة كانت سياسية لا عسكرية ، بدليل أن معظم المعارك التي قادها غسان جديد وسائر القادة المتطوعين ، لم تكن لصالح اليهود . ولكن حكومات العالم العربي التي اشتركت في الحرب ، كانت تحوّل النصر الى هزيمة ، سواء بحجب الذخيرة عن جيوشها ، أو بإصدار الأوامر بالانسحاب من المواقع الاستراتيجية والمتقدمة .

أما حرب 1948 فلم تنتهِ . كذلك لم ينتهِ دور غسان جديد في المسألة الفلسطينية .

كان غسان برتبة " رئيس " أثناء الحرب . ونتيجة للدور الذي قام به في فلسطين ، رُفّع الى رتبة مقدم . ثم أصبح رئيساً للجنة الهدنة المشتركة ، وقائداً للفوج المتمركز على الحدود قبالة الحولة .

حاول اليهود تجفيف مياه الحولة . ولكن الجيش الشامي المرابط هناك بقيادة غسان ، حال دون تنفيذ مشروعهم . عندئذ رفعت المسألة الى مجلس الأمن . فانتدبت القيادة غسان جديد للقيام بوظيفة مستشار للوفد الشامي في مجلس الأمن ، حتى يتوفر للجانب السوري الحجج الميدانية التي تثبت إعتداءات العدو . وهكذا أصدر وزير الدفاع الشامي في 02/07/1951 القرار التالي : ( الجمهورية السورية – وزارة الدفاع الوطني – 1655/ س .

الى مقام وزارة الخارجية :

يرجى ابلاغ المفوضية السورية في واشنطن ايفاد المقدم غسان جديد مستشاراً عسكرياً لدى الوفد السوري في هيئة الأمم المتحدة ".

وكان غسان ، في الوقت نفسه ، رئيساً للوفد الشامي في لجنة الهدنة المشتركة . وهو استمرّ في هذه المسؤولية اربع سنوات متتالية . ولنقرأ هذا الكتاب الصادر عن وزارة الخارجية السورية حول مهمة غسان في اللجنة . " الجمهورية السورية – وزارة الخارجية – الرقم س 163 / 811 التاريخ 18/06/1951 .

الى من يهمه الامر :

يرجى تسهيل مهمة المقدم غسان جديد رئيس الوفد السوري لدى لجنة الهدنة المشتركة ، والمسافر الى المملكة الاردنية الهاشمية بمهمة رسمية ". التوقيع : وزير الخارجية .

المصدر

Source: 
كساريات

Dear friends of this aggregator

  • Yes, I intentionally removed Newsbud from the aggregator on Mar 22.
  • Newsbud did not block the aggregator, although their editor blocked me on twitter after a comment I made to her
  • As far as I know, the only site that blocks this aggregator is Global Research. I have no idea why!!
  • Please stop recommending Newsbud and Global Research to be added to the aggregator.

Support this site

News Sources

Source Items
Grayzone Project 17
Pass Blue 71
Dilyana Gaytandzhieva 14
John Pilger 410
The Real News 367
Scrutinised Minds 29
Need To Know News 1757
FEE 3374
Marine Le Pen 236
Francois Asselineau 25
Opassande 53
HAX on 5July 220
Henrik Alexandersson 574
Mohamed Omar 251
Professors Blog 10
Arg Blatte Talar 37
Angry Foreigner 17
Fritte Fritzson 11
Teologiska rummet 32
Filosofiska rummet 74
Vetenskapsradion Historia 120
Snedtänkt (Kalle Lind) 180
Les Crises 1963
Richard Falk 118
Ian Sinclair 80
SpinWatch 52
Counter Currents 6574
Kafila 365
Gail Malone 34
Transnational Foundation 221
Rick Falkvinge 93
The Duran 6669
Vanessa Beeley 93
Nina Kouprianova 9
MintPress 4897
Paul Craig Roberts 1197
News Junkie Post 47
Nomi Prins 24
Kurt Nimmo 191
Strategic Culture 3602
Sir Ken Robinson 16
Stephan Kinsella 67
Liberty Blitzkrieg 799
Sami Bedouin 61
Consortium News 2176
21 Century Wire 2976
Burning Blogger 284
Stephen Gowans 67
David D. Friedman 133
Anarchist Standard 16
The BRICS Post 1468
Tom Dispatch 420
Levant Report 17
The Saker 3506
The Barnes Review 477
John Friend 368
Psyche Truth 146
Jonathan Cook 135
New Eastern Outlook 3182
School Sucks Project 1738
Giza Death Star 1589
Andrew Gavin Marshall 15
Red Ice Radio 571
GMWatch 1855
Robert Faurisson 149
Espionage History Archive 34
Jay's Analysis 763
Le 4ème singe 87
Jacob Cohen 200
Agora Vox 11161
Cercle Des Volontaires 417
Panamza 1694
Fairewinds 103
Project Censored 723
Spy Culture 383
Conspiracy Archive 67
Crystal Clark 11
Timothy Kelly 495
PINAC 1482
The Conscious Resistance 570
Independent Science News 66
The Anti Media 5666
Positive News 820
Brandon Martinez 30
Steven Chovanec 61
Lionel 259
The Mind renewed 213
Natural Society 2475
Yanis Varoufakis 822
Tragedy & Hope 122
Dr. Tim Ball 65
Web of Debt 129
Porkins Policy Review 353
Conspiracy Watch 174
Eva Bartlett 563
Libyan War Truth 280
DeadLine Live 1905
Kevin Ryan 61
BSNEWS 1978
Aaron Franz 191
Traces of Reality 166
Revelations Radio News 121
Dr. Bruce Levine 115
Peter B Collins 1358
Faux Capitalism 205
Dissident Voice 9635
Climate Audit 221
Donna Laframboise 362
Judith Curry 1056
Geneva Business Insider 40
Media Monarchy 2016
Syria Report 70
Human Rights Investigation 90
Intifada (Voice of Palestine) 1685
Down With Tyranny 10253
Laura Wells Solutions 28
Video Rebel's Blog 412
Revisionist Review 485
Aletho News 18009
ضد العولمة 27
Penny for your thoughts 2683
Northerntruthseeker 2068
كساريات 37
Color Revolutions and Geopolitics 27
Stop Nato 4624
AntiWar.com Blog 2713
AntiWar.com Original Content 6176
Corbett Report 2098
Stop Imperialism 491
Land Destroyer 1111
Webster Tarpley Website 957

Compiled Feeds

Public Lists

Title Visibility
Funny Public